الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةرأيأحمد سعد يكتب.. السيادة المصرية على قناة السويس خط أحمر وتصريحات ترامب...

أحمد سعد يكتب.. السيادة المصرية على قناة السويس خط أحمر وتصريحات ترامب بلطجة مرفوضة

في تصريحاتٍ استفزازية تكرِّس منطق القوة والابتزاز ، أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب غضب المصريين حول عبور السفن الأمريكية لقناة السويس دون دفع رسوم، مُستخدماً لغة التهديد التي تُذكِّر بعصر الاستعمار البائد. لكن الرد المصري كان واضحاً: السيادة على القناة خط أحمر، ورفض البلطجة الدولية جزء من حمضنا النووي الذي تشكّل عبر تاريخ من الكفاح. 

ليست قناة السويس مجرد ممر مائي دولي، بل هي حكاية شعبٍ قرّر تحدي الصحراء والمستحيل منذ القرن التاسع عشر، إلا أن دماء وعَرَق مئات الآلاف من الفلاحين والعمال المصريين هي التي جعلت هذا الحلم واقعاً، رغم الظروف القاسية التي رافقت حفر القناة في عهد الخديوي سعيد،

 لكن القصة الحقيقية للسيادة بدأت في 26 يوليو 1956، حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة، رافضاً تحكُّم القوى الأجنبية في شريان مصر الاقتصادي، ولم يكن الرد الاستعماري بعيداً، حاول العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) انتزاع القناة بالقوة، لكن المصريين وقفوا كالجبال، رافضين التخلي عن حقهم حتى تحت القصف. سقط الشهداء، وتدمرت مدنٌ مثل بورسعيد، لكن الإرادة المصرية انتصرت، لتصبح القناة منذ ذلك اليوم رمزاً للكرامة الوطنية.

وفي عام ٢٠١٥، كتب الرئيس عبد الفتاح السيسي  فصلًا جديدًا في ملحمة سيادة المصريين  على قناة السويس، بإرادةٍ سياسيةٍ تخطّط للمستقبل، ووعي شعبيٍّ يُدرك أن حماية المكتسبات التاريخية لا تكون إلا بتطويرها، فمع إطلاق مشروع قناة السويس الجديدة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم تكتف مصر بالدفاع عن القناة، بل حوّلتها إلى رمزٍ للانطلاق نحو آفاق التنمية. المشروع – الذي تم تنفيذه في عام واحد فقط بدلًا من الثلاثة المُخطَّط لها – لم يكن مجرد توسعةٍ هندسية، بل رسالةً للعالم بأن مصر قادرةٌ على تحويل ترابها إلى ذهبٍ بإرادة أبنائها. 

جاء التمويل مصريًّا خالصًا، عبر شهادات استثمارية اقتنصها المواطنون خلال أيام، كتأكيدٍ على أن القناة ملكٌ للأجيال، وليست سلعةً للمساومة. ما ضاعف القدرة الاستيعابية للقناة، وتسريع زمن العبور، وزيادة الإيرادات بنسبة تخطت ٨٥٪ خلال السنوات الأولى، أثبتت “القناة الجديدة” أن السيادة ليست خطابًا سياسيًّا فحسب، بل استثمارًا في القوة الناعمة لمصر، التي تُحوِّل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية وسياسية صاعدة.

هذا المشروع العملاق، الذي رعاه الرئيس السيسي بإدراكٍ استراتيجي، لم يكن ردًّا على التحديات الاقتصادية فقط، بل كان أيضًا تحصينًا للقناة في مواجهة أي ضغوطٍ دولية، فبتعظيم قيمتها المادية والمعنوية، باتت أي محاولة للتهديد أو الابتزاز أشبه بمن يلوّح بيدٍ فارغة. لقد حوّلت مصر القناة من ممرٍ تدافع عنه بالسلاح إلى قلعةٍ اقتصاديةٍ تدافع عن نفسها بأرقام الميزانيات وحجم التدفقات التجارية. 

كما رفض أجدادهم عام ١٨٦٩ أن تكون القناة شركة أجنبية، ورفض آباؤهم عام ١٩٥٦ أن تُسرق ثورة التأميم، يرفض المصريون اليوم أن تُختزل إنجازاتهم في خطابات استعلائية، قناة السويس الجديدة هي الابن الشرعي لتاريخٍ من الرفض والبناء، تؤكد أن مصر التي حفرت بالأمس قناةً ربطت العالم، قادرةٌ اليوم أن تحفر بمشاريعها مصيرًا يربط بين سيادتها ونهضتها.

يحاول ترامب استنساخ اللغة الاستعمارية القديمة بمنطقٍ أشبه ببلطجة الشوارع: التلويح بالسلطة الاقتصادية لفرض شروطٍ مهينة، عبر تصريحاته لا تُظهر فقط جهلاً بالاتفاقيات الدولية التي تنظّم عبور السفن عبر القناة – والتي تحترم سيادة مصر الكاملة – بل تُجاهر بذهنية استعلائية ترفض الاعتراف بأن زمن الهيمنة الأحادية ولى. 

القناة، وفق الاتفاقية الموقعة في فيينا 1888، ممرٌ مائي دولي مفتوح للسفن وقت السلم والحرب، لكن إدارتها السيادية حقٌ مصري خالص، حتى في أحلك الأزمات، مثل حرب أكتوبر 1973، حافظت مصر على التزامها بضمان حرية الملاحة، لكنها أيضاً لم تتنازل عن سنتيمتر من سيادتها.

الرفض المصري اليوم ليس رد فعل عابراً، بل هو استحضارٌ لذاكرة جمعية ترفض التكرار. فالمصريون يعلمون أن التنازل عن الحقوق السيادية بابٌ لا يُفتح. لو قبلت مصر بتصريحات ترامب، لتحولت القناة – التي تدر مليارات الدولارات سنوياً – إلى غنيمةٍ للمضاربين الدوليين، ولعادت مصر إلى مربع التبعية. 

إن الاعتزاز المصري بالقناة لا ينفصل عن إدراك قيمتها الاستراتيجية. فالقناة ليست فقط مصدر دخل قومي، بل هي ورقة ضغط جيوسياسية تمنح مصر موقعاً متفرداً في النظام الدولي. التنازل عن إدارتها يعني التخلي عن جزء من القلب النابض للسيادة المصرية. 

التاريخ يعلمنا أن مصر لم تُبنَعْ بالخضوع، بل بالمواجهة. من رمسيس الثاني إلى عبد الناصر، ومن معركة بورسعيد إلى تحديات القرن الحادي والعشرين، خُطَّت السيادة بحروف من دماء وتضحيات.

وأقول إن تصريحات ترامب ليست سوى حلقة في سلسلة محاولات الفرض الأجنبي، لكن المصريين، الذين حوّلوا الصحراء إلى ممرٍ للعالم، قادرون على تحويل التهديدات إلى دروسٍ في الكبرياء.

 القناة باقية.. لأن مصر باقية.. عاشت مصر حرّة أبية.. وعاش رئيسها مقاتلا شجاعا.. وعاش جيشها قاهر الأعداء.. وعاش شعبها الذي لا يقبل التفريط في قطرة ماء من قناة السويس الغالية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات