في خيمة متواضعة بمواصي خان يونس، بالكاد تتسع لأربعة أفراد، ترقد الطفلة شام قديح ذات العامين، وقد نحل جسدها حتى بات أقرب إلى الهيكل العظمي. وزنها لا يتجاوز 4.5 كيلوغرامات، وعظام صدرها بارزة بشكل مؤلم، فيما تحاول أمها تهدئة أنينها بجرعات من الماء، بعدما عجزت عن توفير الحليب أو أي طعام مغذٍّ. ما تعانيه شام ليس مشهدًا استثنائيًا، بل مرآة يومية تعكس المأساة الصامتة التي تفتك بآلاف الأطفال في قطاع غزة، حيث يتربص الموت بالجياع في صمت تام من العالم.
الكارثة تأخذ أبعادًا غير مسبوقة. فوفق بيانات طبية رسمية، توفي 154 شخصًا جراء مضاعفات سوء التغذية منذ بدء الحرب على غزة، تسعون بالمئة من هذه الوفيات وقعت في شهر يوليو الجاري وحده. أما عدد المصابين بسوء التغذية الحاد فبلغ أكثر من 28 ألفًا، بينهم ما يزيد على ربع مليون طفل دون سن الخامسة، يُعدّون في حكم المعرضين لخطر الموت في أي لحظة، نتيجة الجوع ونقص الرعاية الصحية.
الطفلة ولاء جودة، في السادسة من عمرها، تمثل مثالًا آخر على هذه المأساة. فقدت شعرها وأسنانها، ولم تعد قادرة على الوقوف أو الحركة بفعل الهزال الشديد. تقول والدتها وعيناها تفيض بالدمع: “كانت تلعب وتضحك وتملأ البيت حياة.. الآن لا تستطيع حتى أن تفتح عينيها”.
المستشفيات تنهار.. والمنظمات تحذّر
الأطباء في غزة يواجهون مأساة بلا أدوات. الدكتور أحمد الفرا، من مجمع ناصر الطبي، وصف الوضع الإنساني بـ”الكارثي”، مؤكدًا أن المستشفيات لم تعد تملك ما يلزم لإنقاذ أرواح الأطفال، في ظل غياب مكملات التغذية العلاجية ونقص حاد في البروتينات والمحاليل الحيوية. وأضاف: “نستقبل يوميًا أطفالًا على حافة الموت، لا نملك إلا الانتظار معهم حتى يسكن الجوع أجسادهم إلى الأبد”.
وكالة “الأونروا” كشفت عن تضاعف حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال ثلاث مرات منذ شهر مارس الماضي، بينما أعلن برنامج الأغذية العالمي أن أجزاء من القطاع “تجاوزت بالفعل مراحل المجاعة”، في إشارة إلى دخول الوضع في مناطق عدة مرحلة “الكارثة الإنسانية الكبرى”.
أمهات يبحثن عن كسرة خبز.. وآباء يشيّعون أبناءهم
في شوارع المخيمات ومراكز النزوح، تغيب روائح الطعام، وتحل محلها رائحة البؤس. تقول إسلام قديح، والدة شام، وهي تحاول تهدئة بكاء صغيرتها بالماء: “نفسي بنتي تقف وتلعب زي باقي الأطفال.. مش طالبين حاجة غير شوية لبن.. شوية رحمة”.
أما على أبواب المستشفيات، فبات من المألوف رؤية آباء يحملون جثث أبنائهم الذين سقطوا ضحايا للجوع، وليس للقنابل. صور دامية، لا تلتقطها عدسات الإعلام كما يجب، ولا تهزّ ضمير العالم الذي يتحدث عن “هدن إنسانية” دون أن ينجح في إدخال وجبة طعام كاملة لطفل واحد في المخيم.
حصار خانق ومساعدات لا تكفي
القيود الإسرائيلية على دخول الغذاء والدواء فاقمت من الأزمة. رغم الجهود الإنسانية من بعض الدول والمنظمات، إلا أن حجم المساعدات لا يتجاوز عشر الاحتياجات الفعلية، وفق تقديرات دولية. ويقول مسؤول في منظمة إغاثية دولية فضّل عدم ذكر اسمه: “ما يصل إلى غزة اليوم لا يكفي لإنقاذ طفل واحد من بين كل عشرة.. والكارثة ستتسع أكثر إذا لم يتم التحرك الفوري”.
في ظل هذا الوضع، لا يبدو أن الأفق يحمل أملًا قريبًا. الهدن المؤقتة لا تُطعم الجياع، والمجتمع الدولي يقف عاجزًا عن فرض ممرات إنسانية آمنة، أو حتى ضمان استمرار دخول شحنات الحليب والطحين.
الطفولة في مهب الريح
الأطفال في غزة اليوم لا يحلمون بالدراسة أو اللعب، بل بأكل وجبة مشبعة، أو شرب كوب من الحليب. مجاعة القرن تُكتب الآن في غزة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والمجتمع الدولي، بمنظماته وهيئاته الكبرى، يكتفي بالتحذير، فيما يموت الأطفال واحدًا تلو الآخر، تحت الخيام، في صمت مهين.

