الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةعرب وعالمبين تحذيرات أوروبا وفواجع الجنوب اللبناني: تصاعد الأخطار في الإقليم

بين تحذيرات أوروبا وفواجع الجنوب اللبناني: تصاعد الأخطار في الإقليم

في لحظة مشحونة بالترقب والقلق، دعت وزارة الخارجية الألمانية رعاياها إلى مغادرة إيران على وجه السرعة، في خطوة عكست حجم المخاوف من احتمالات انفجار ميداني أو أمني قد يمتد أثره إلى مصالح الأجانب. الإعلان الذي بثته قناة “القاهرة الإخبارية” لم يأتِ في سياق عابر، بل بدا بمثابة رسالة استباقية من برلين تشير إلى وجود تقديرات استخباراتية ترجّح وقوع أعمال انتقامية تستهدف الغربيين في إيران، ربما على خلفية توترات متصاعدة بين طهران وتل أبيب، أو ارتباطًا بالعمليات السرية التي تُتهم إسرائيل بالوقوف وراءها داخل العمق الإيراني. تحذير كهذا، في توقيته وحدّته، لا يصدر عادة إلا عندما تقترب الدبلوماسية من حدود العجز وتبدأ الحسابات الأمنية في فرض إيقاعها.

وبينما كانت الأنظار تتجه إلى هذا التحرك الألماني وما قد يحمله من إشارات لمرحلة جديدة من الصراع الخفي في المنطقة، كان جنوب لبنان يسجل جرحًا جديدًا في جسد جيشه الوطني. ففي منطقة الناقورة الحدودية، حيث لطالما ظل التوتر حاضرًا ولو في لحظات الهدوء النسبي، انفجرت مسيّرة إسرائيلية عقب سقوطها، لتودي بحياة ضابط ومعاون أول، وتترك جنديًا آخر في حال حرجة. البيان الصادر عن قيادة الجيش جاء مقتضبًا لكنه فاضح لقسوة المشهد: دماء جديدة تُسفك بينما كان العسكريون يقومون بمهمتهم في تفقد المسيّرة.

الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون لم يُخفِ ألمه حين أعلن أن الجيش يدفع مجددًا ثمن الحفاظ على الاستقرار في الجنوب. الرجل ذكّر اللبنانيين بأن هذه الحادثة ليست الأولى، بل الرابعة منذ بدء انتشار الجيش في منطقة ما بعد الليطاني، أي في صميم نطاق القرار الدولي 1701، حيث يُفترض أن يكون الهدوء محكومًا برقابة قوات الأمم المتحدة “اليونيفيل”. لكن المفارقة أن الحادث تزامن مع تمديد مجلس الأمن مهمة هذه القوات، وكأن استشهاد الجنود جاء ليقول بوضوح إن القرارات الدولية عاجزة عن وقف اعتداءات إسرائيل أو منعها من استباحة الحدود.

في المقابل، جاءت تعازي رئيس الحكومة نواف سلام لتضيف بعدًا سياسيًا إلى المشهد، إذ شدد على أن الجيش هو صمام الأمان وحصن السيادة وسند الوحدة الوطنية. الكلمات حملت طابعًا وجدانيًا لكنها حملت أيضًا رسالة إلى الداخل والخارج معًا: المؤسسة العسكرية ما زالت تُقدَّم باعتبارها الركيزة الوحيدة القادرة على الإمساك بخيوط التوازن في بلد تهزّه الانقسامات الاقتصادية والسياسية.

هذا التوازي بين تحذير ألماني لرعاياه في إيران وسقوط شهداء في جنوب لبنان لا يبدو مجرد مصادفة زمنية. إنه يعكس واقعًا إقليميًا بالغ الهشاشة، حيث تتحول الحدود والأجواء إلى مساحات مفتوحة للتصعيد، وحيث تجد الدول الأوروبية نفسها مدفوعة إلى إعادة حساباتها الأمنية في مواجهة ردود فعل متوقعة من طهران أو حلفائها. وبينما يرحل الأجانب عن إيران تجنبًا للخطر، يواصل اللبنانيون تشييع أبنائهم الذين يسقطون ضحايا الصراع الدائم مع إسرائيل.

المشهد إذن واحد، وإن تعددت جغرافيته: أوروبا تتحسّب، إيران تترقب، إسرائيل تمضي في سياساتها الميدانية، ولبنان يدفع الثمن. وفي قلب هذا المشهد، يبقى السؤال معلقًا: هل تتسع رقعة النار لتشمل ساحات أخرى، أم أن القوى الدولية ستنجح في كبح جماح الانزلاق نحو مواجهة أشمل؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات