بعد صدور القانون الجديد رقم 164 لسنة 2025، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر في العقارات الخاضعة لنظام الإيجار القديم، دخلت مصر مرحلة جديدة من المعالجات التشريعية والاجتماعية، حيث أصبح المستأجرون أمام واقع قانوني يفرض عليهم إخلاء الوحدات السكنية بعد فترة انتقالية، في مقابل حقهم في التقدم للحصول على وحدات بديلة، سكنية أو غير سكنية، بالإيجار أو التمليك، من خلال حزمة من الآليات الحكومية الجديدة.
القانون الذي أقره مجلس النواب في يوليو الماضي، نص على فترتين انتقاليتين: الأولى تمتد خمس سنوات للعقود غير السكنية، والثانية تمتد سبع سنوات للعقود السكنية، مع زيادة تدريجية في قيمة الإيجار خلال تلك الفترات. غير أن المادة الثامنة من القانون حملت ما وصفته الحكومة بـ”التوازن الاجتماعي”، إذ منحت المستأجر أو من امتد إليه عقد الإيجار أحقية التقدم بطلب للحصول على وحدة بديلة مملوكة للدولة، شرط تقديم إقرار بإخلاء وتسليم الوحدة الأصلية بمجرد تخصيص البديلة له.
وفي هذا السياق، ألزم القانون مجلس الوزراء بإصدار قرار تنفيذي خلال شهر من صدور التشريع، يتضمن قواعد تقديم الطلبات، وشروط التخصيص، وآليات ترتيب الأولويات، والجهات المختصة بتنفيذ الإجراءات. وتشترط المادة نفسها أن يكون التخصيص لصالح المستأجر الأصلي أو زوجه ممن امتد إليهم العقد، على أن يتم ذلك قبل انتهاء الفترة الانتقالية بحد أقصى عام واحد، أي بحلول 5 أغسطس 2032 بالنسبة للعقود السكنية.
وحدات بديلة جاهزة.. وأراضٍ مخصصة للبناء
في أول تعليق رسمي عقب صدور القانون، أعلن وزير الإسكان المهندس شريف الشربيني، خلال مداخلته في مجلس النواب، أن الحكومة تعمل على تجهيز منظومة إسكان بديل تشمل وحدات قائمة بالفعل وأخرى سيتم إنشاؤها تباعاً. وأوضح أن عدد الوحدات السكنية الجاهزة حالياً يبلغ أكثر من 238 ألف وحدة موزعة على القاهرة والجيزة وعدد من المحافظات، ضمن مشروعات الإسكان القومي مثل “أهالينا”، و”سكن أهل مصر”، و”بشائر الخير”.
وأضاف الوزير أن هناك مساحات ضخمة من الأراضي تم تخصيصها لصالح المشروعات الجديدة، تقدر بنحو 200 ألف فدان، يتم تطويرها لإقامة وحدات سكنية تستوعب المواطنين المستهدفين من القانون الجديد، بالإضافة إلى تخصيص 14,500 فدان في المرحلة الأولى لمشروعات الإسكان البديل.
وشدد الشربيني على أن هذه الوحدات لن تُقدم بصيغة موحدة، وإنما من خلال خيارات متعددة تتيح للمستأجرين اختيار الأنسب لهم بحسب قدراتهم المالية وأوضاعهم الاجتماعية، مشيراً إلى أن الدولة ستطلق قريباً منصة إلكترونية لاستقبال الطلبات، وسيكون باب التقديم مفتوحاً لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ بدء العمل بالضوابط.
ثلاث خيارات للمستأجرين.. وإعانات حسب الحالة
في لقاء تلفزيوني عبر برنامج “الحياة اليوم” مع الإعلامي مصطفى شردي، أوضح وزير الإسكان أن الدولة بصدد إنشاء كيان متخصص تحت مسمى “صندوق دعم الإسكان البديل”، تكون مهمته توفير حلول سكنية متنوعة للمستأجرين المتأثرين بالقانون الجديد. وبيّن أن الصندوق سيعمل بطريقة شبيهة بصندوق الإسكان الاجتماعي، وسيوفر ثلاث بدائل رئيسية:
- إيجار مدعوم وفقاً لدخل الأسرة، بحيث يُحدد الإيجار بناء على الحالة الاقتصادية والاجتماعية.
- إيجار تمليكي يمتد على مدى ثلاثين عاماً، ويمنح المستأجر في نهايته حق التملك النهائي للوحدة.
- تمليك مباشر بتمويل عقاري منخفض الفائدة، يُطبق فيه سعر فائدة 8% لمحدودي الدخل، و12% لمتوسطي الدخل، أسوة بمبادرات الإسكان السابقة.
وتهدف هذه البدائل، بحسب الوزير، إلى تحقيق “عدالة عمرانية” تتيح الانتقال من وحدات قديمة متهالكة إلى مساكن آمنة وحديثة دون أن يتكبد المستأجر أعباء مالية تفوق قدرته، مع ضمان استقرار المجتمع وتقليل النزاعات بين الملاك والمستأجرين.
توزيع جغرافي متوازن وتقديم إلكتروني
كشف الوزير عن وجود وحدات سكنية جاهزة في القاهرة بمنطقتي السلام وجسر السويس، وفي الإسكندرية بمنطقتي القباري وكرموز، بالإضافة إلى محافظات أخرى كالمنوفية والبحيرة، وبعض المدن الجديدة التي باتت مقصدًا لكثير من العائلات الباحثة عن سكن عصري في بيئة حضرية منظمة.
وأكد أن تقديم الطلبات سيكون من خلال منصة إلكترونية مخصصة، تتيح تحميل المستندات المطلوبة ومنها: عقد الإيجار الأصلي، ومستند يثبت متوسط دخل الأسرة، وبيان بالحالة الاجتماعية، مع إمكانية إرفاق مستندات داعمة أخرى. وستقوم الجهات الحكومية بدراسة كل حالة على حدة لتحديد مدى استحقاقها ونوع الدعم المناسب لها.
وفي حال تزاحم الطلبات، سيُراعى في ترتيب الأولويات طبيعة المنطقة التي تقع فيها الوحدة الأصلية، ودرجة احتياج الأسرة، وعدد أفرادها، ومدى قرب الوحدة الجديدة من محل الإقامة الأصلي، بما يحقق العدالة في التوزيع ويقلل من تأثير الانتقال الجغرافي على الأسر.
انتظار القرار التنفيذي
فيما ينتظر المستأجرون القواعد النهائية للتخصيص، ما زالت الأنظار تتجه إلى مجلس الوزراء الذي من المنتظر أن يصدر القرار التنفيذي خلال أيام، لتبدأ معه أولى خطوات تطبيق القانون على الأرض. وفي الوقت ذاته، يواصل كثير من المستأجرين التعبير عن مخاوفهم من غموض بعض التفاصيل، وسط مطالبات بأن تتسم الضوابط المنتظرة بالشفافية والوضوح والعدالة، حتى لا تتحول النية الإصلاحية إلى أزمة اجتماعية جديدة.
وبينما يرحب بعض الملاك بالقانون ويرونه خطوة ضرورية لتحرير السوق العقارية، يرى آخرون أن تطبيقه يحتاج إلى ضمانات تنفيذية تكفل استقرار العلاقة بين المالك والمستأجر خلال الفترة الانتقالية. ويبقى السؤال الكبير معلقاً: هل تنجح الدولة في تحقيق التوازن بين استعادة حقوق الملاك وتوفير مأوى آمن وإنساني للمستأجرين؟

